العدد رقم : 1226

الخميس - التاسع من - سبتمبر - لسنة - 2021

آراء جامعية || مدينة صباح السالم الجامعية حرم جامعي ينبض بالجمال || مركز المؤتمرات في مدينة صباح السالم الجامعية || الشعر الشعبي || ارشاد أكاديمي || آراء وأفكار طلابية || د‭.‬العنزي‭ : ‬استقبال‭ ‬3478‭ ‬بحثا‭ ‬وكتابا‭ ‬في‭ ‬2019/2020‭ ‬بزيادة‭ ‬253‭ ‬ || د‭.‬الحويلة‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬التصميم‭ ‬الشامل‭ ‬للتعلم‭ ‬14‭ ‬نوفمبر‭ ‬المقبل || ‭"‬الشؤون‭ ‬الطلابية‭"‬‭ ‬نظمت‭ ‬محاضرة‭ ‬التحقيق‭ ‬الإداري‭ ‬لموظفي‭ ‬قسم‭ ‬القضايا‭ ‬والشكاوى‭ ‬الطلابية || مدكور‭: ‬تقديم‭ ‬الشكوى‭ ‬خلال‭ ‬ستين‭ ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬حدوث‭ ‬الواقعة || الدكتور‭ ‬شفيق‭ ‬الغبرا‮…‬‭ ‬المناضل‭ ‬الذي‭ ‬غزا‭ ‬ومضى || وفاء‭ ‬لا‭ ‬رثاء‭ ‬بحق‭ ‬شفيق‭ ‬الغبرا || شفيق‭ ‬وحياة‭ ‬غير‭ ‬آمنة || الجامعة تفقد د.شفيق الغبرا || ثمانية‭ ‬بحوث‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬الجديد من‭ ‬المجلة‭ ‬العربية‭ ‬للعلوم‭ ‬الإنسانية || عميد‭ ‬الشؤون‭ ‬التقى‭ ‬سفير‭ ‬السودان‭ ‬ || توقيع‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬بين‭ ‬‮«‬آفاق‮»‬‭ ‬و‮«‬الشريعة‮»‬ || انطلاق‭ ‬البرنامج‭ ‬التأهيلي‭ ‬لإدارة‭ ‬المرافق‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬صباح‭ ‬السالم‭ ‬الجامعية‭ ‬ ||
 

أبو سعيد البستانيّ


كالهمس المبحوح كان لهاثُه ، وحين استند بظهره إلى الجدار المتهدّم الخفيض بصق أمامه ، وعبس ونبس بصوت واهن ، بدا وكأنّه  غمغمة رجل مريض . مال برأسه الأشيب إلى الوراء ، فأحسّ بخشونة حبيبات الجدار النّاتئة  ؛ الجدار الّذي كان في مجد أيّامه تاريخاً من مجد حاكمه وسيادته على المكان والزّمان . كان جداراً يحتضن بين جنبيْه قصر الزّعيم الأوحد ؛ فكان – لهذا – أنْ لم يكن أحد يتجرأ من الاقتراب منه . ولم يكن زمان القصر بعيدا ، فالثّورة الّتي أطاحت بعنق سيّده قد احتفلتْ بعيد نصرها العشرين قبل أيّام خمسة .
 


مرّ طيف السّنين العجاف بخاطره ، فانسلّتْ منه ذكرى ؛ تلك الذّكرى الّتي حملتْه اليوم متوجّهاً إلى البيت الكبير ؛ الاسم الّذي أطلقه عليه البؤساء والضعفاء والجبناء من النّاس . تململ ، فلم يطق صبراً بما اختلج به ذهنُه ، فغذّ سيره يريد الكبير صاحب البيت . كان قد لا حتْ له بوّابته الحديديّة المتقوّسة الجانبيْن ، تتشكّل في وسطها صورة نسر أبيض الرّأس  . فلمّا أبصر شبح النسر بجناحيْه الممطوطيْن  حمَّ سعيرُ غضبه ، فجدّ في خطوه . وبعد ثمّة ما لبث أنْ بلغها ، فإذا بحارسيْن ضخمي الجثّة يقطعان عليه ذهولَه بهما ، وكلاهما يمسك بطوق كلبه ذي الرأس الشبيه برأس الذّئب . أجفل منهما ، بل منهم جميعا : حارسان أشوسان وكلبان شرسان ، فهل بعدهما يتبقّى من الشّجاعة شيء ! فتقهقر إلى الوراء خطوة ، بيْد أنّه لمّا تذكّر وتفكّر هاجَ داخلُه ، فتشجّع وجرؤ ، ولم يأبه بهم ، فأكمل خطوته نحو مصراعي البوّابة المنطبقيْن وعينا النّسر تحدقان وتقدحان شررا .
“ لا تقتربْ ... توقّفْ !  “ .. كانت تلك الجملتان هما آخر ما طرق أذنيْه من صوت آدميّ حيّ في عالم الأحياء الّذي كان قد عاشه حتّى تلك اللّحظة ؛ فقد احتدّ وأنِفَ من النّبرة النّاهية المُحذّرة والآمرة له بالتوقّف ، ولم يعبأ سوى بالكبير مُرادُه مذ سنين طِوال جثمتْ على كلْكلِه ؛ الكبير الّذي غدر به يوم كان هو في مهمّة أرسله بها ليُبعده عنه ، فينفرد بفريسته الغفل ؛ لِيَلتذّ بلحمها الأبيض ؛ الكبير الّذي طعنه ، فمات فيه كلّ شيء . كان حيّاً جسداً ، وكان بين ضلوعه قلب ينبض نبضَ الدّنفِ الموشِكِ .
لِذا ولذاك ، ولكلّ ما طحن فؤاده الكليل - لم يكترث بتحذيرهما ، فأمسك بمقبض الباب الصّغير الّذي احتوتْه البوّابة الكبيرة المهيبة بنسرها ، وفتحه . دوّى صوتٌ ، ثمّ بغتةً انطفأ نور عينيْه ، فسقط على الأرض مُمدَّداً مضرّجاً ببقعة دكناء من الدّم تنزّ من خلف كتفه اليُسرى . كان نصف جسده مسجّى في الجزء الدّاخل بعد الباب ، وأمّا نصفه الآخر فما زال في موطئه قبل أنْ يخرّ صريعاً ؛ وكأنّما هوى على وجهه دون أن تتحرّك قدماه إلى أمام أو إلى خلف .
كان هذا الرّجل بُستانيّ البيت الكبير ، أُوكل إليه أنْ يُعنى بنباتات حدائقه ، ويولي جلّ عنايته بأحواض الورد والزّهر وبأُصصها المصطفّة  انتظاما  فوق بساط مدخل البيت حتّى مدخل قاعة البهو الرئيسية . وكان للعمّ أبي سعيد ابنتان ؛ الأولى خرجتْ من المدينة ترافق زوجها في تنقّله وراء لقمة العيش . أمّا الثّانية  فقد كانت في السّادسة عشرة من ربيعها المتفتّح الناضر . وعلى الرّغم ممّا كان يجلّلها من ثياب فقراء القوم فقد كانت تضيء بجمال كجمال القمر المنير في ليلة منتصف الشّهر . فكان جمالها هذا هو الرّصاصة الّتي دوّى صوتُها ، فاخترقتْ كتف العمّ أبي سعيد عند بوّابة البيت الكبير .
ولعلّك قد أدركتَ – أيّها القارئ – واستطعتَ أن تمسك بخيوط العلاقة بين الابنة وأبيها من جانب  وسيّدهما الكبير صاحب البيت من جانب آخر . ولذا فلا حاجة أن أذكر قصّة الكبير مع تلك الصّغيرة ، وما آل إليه الأمر أن دنّس شرفها وجلّلها عارا لم يُمحَ حتّى بمقتل العمّ أبي سعيد المغدور مرّتيْن ؛ فدمه وعاره تلاشيا وطيّات الزّمن ، لا يذكر النّاس منه إلّا منظر ثوبه الملطّخ ، ولم يبالوا كيف تلطّخ ، فمضى كلّ واحد ممّن شهد الحادثة وعلِم القصّة  إلى سبيله وشأنه ؛ فهم من عجزهم تيقّنوا أنّ الكبير لن تطاله أو يمسّه أيّ صغير ؛ فهذه لعبة الحياة بينهما غير أنّ الكبير يفوز دوما حتّى وإنْ كان من أبناء الثّورة المجيدة الّتي هتف لها أبو سعيد .

 


الكاتب : ا.إبراهيم محمد نصير  ||  عدد الزوار : (871)  ||  طباعة الموضوع

   
 

 

الصفحة الرئيسية
جامعيات
آراء جامعية
آراء وأفكار طلابية
ارشاد أكاديمي
الشعر الشعبي
الاتصال بنا


 
 

يشاهد الموقع الان كل من:

73

United States

10

unknown

 المتواجدون الان:(83) مشاهد

مجموع الزوار الكلي (30714484) مشاهد