صدر العدد (174 – ربيع 2026) المجلة العربية للعلوم الإنسانية، متضمنا نخبة من الدراسات والبحوث المتميزة التي تتسم بالأصالة والمنهجية الدقيقة، في جوانب متنوّعة من الحقول الإنسانية؛ لتقديم رؤىً تحليلية وزوايا جديدة في المشهد البحثي المعاصر.
يستهل العدد رحلته المعرفية بدراسة للدكتور محمد بن شبيب السبيعي من جامعة الملك سعود، الذي يسلط الضوء على (بلدة السُّقْيا الإسلامية في محافظة العلا)، محقّقًا موقعها الجغرافي وتاريخها بوصفها أهم المحطات على طريقَي الحج من الشام ومصر، ومستكشفًا ما تضمّه من معالم ارتبطت بالسيرة النبوية الشريفة.
وفي رحاب اللغة والنحو، يقدم الدكتور نياف بن رزقان العنزي من جامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية دراسة دلالية وظيفية للفعل (ضرب) بوصفه فعلًا ناقلًا، معيدًا النظر في معانيه وتحوّلاته في ضوء الدراسات اللسانية الحديثة والشواهد القرآنية.
وفي إطار العمل المتحفي والهوية الوطنية، يقدّم الدكتور ماجد مدله المطيري من جامعة الكويت دراسة تحليلية لنشأة (متحف الكويت الوطني) وتطوّره، مقيّمًا دوره بوصفه صرحًا ثقافيًّا يمثّل ذاكرة البلاد، ومحللّا إحصاءات الإقبال الجماهيري وتأثّره بالمتغيّرات المحليّة.
ويقدّم الدكتور ياسر وليد منون من جامعة اللاذقية دراسة عن (علاقة القافية بالعدول التركيبي في ديوان سقط الزند) لأبي العلاء المعري، مبيّنًا أثر هذا العدول في تجويد المعنى وتحقيق الغايات الفنية للخطاب الإبداعي.
أما في مجال (السيميولوجيا) وتحليل الخطاب، فيرصد الدكتور محمد مرضي الشمري من أكاديمية سعد العبد الله للعلوم الأمنية في الكويت دلالات الصور المنشورة لتبادل الأسرى بعد وقف إطلاق النار في غزة 2025، كاشفًا عن بنية اللغة البصرية وما تحمله من رموز النضال والسيادة. كما يبحر الدكتور محمد علي القبلاني من جامعة إب في (سيميائية هوى حب السلطة) في قصيدة (واحر قلباه) للمتنبي، متتبعًا تشكّلات هذا الهوى وتجليّاته عبر إجراءات سيميائية الأهواء، والكاشفة عن الدلالات الإيحائية التي منحت النص جماليته وشعريته الخاصة.
كما يضم العدد دراستين باللغة الإنجليزية؛ الأولى للدكتور علي رضا شرف من جامعة الكويت، مناقشًا موقف الفيلسوف (كانط) من الانتحار، ومحاولًا تقديم قراءة مرنة وسياقيّة تتجاوز التفسيرات التقليديّة الصارمة، أما الدراسة الثانية، فتقدمها الدكتورة مرام محمد محمود سمّان من جامعة طيبة، وتتناول (العمى بوصفه استعارة درامية) في المسرح، متحدّيةً الصور النمطية السائدة حول الإعاقة البصرية.
إننا إذ نضع هذا السفر العلمي المتنوّع بين أيديكم؛ نأمل أن يشكّل إضافة نوعية للمكتبة العربية، ويعكس اتساع أفق الدراسات الإنسانية، ويؤكّد أهمية الحوار بين التراث والمعاصرة، ويحفِّز لمزيد من العطاء الفكري الذي يخدم التطور الأكاديمي في وطننا الحبيب.