صراعات الأجيال
صراعات الأجيال السابقة والمتعاقبة كثيرة، وبعضها مشترك بين الجميع. فعندما يتقدم الإنسان في العمر وتتجاوز خبرته المهنية ما يزيد عن خمسةٍ وعشرين عامًا، يصبح من الصعب عليه تقبّل العلم والمعرفة من زملائه الأصغر سنًا. وإن بدا ظاهريًا مرحبًا ومتقبّلًا للفكرة، إلا أنه قد يكون ممتعضًا داخليًا، لأن ذلك يذكّره إما بكِبر سنه، أو بفقدان شغفه، أو بعدم قدرته على مواكبة المنافسة، إضافةً إلى خوفه من انتقاد المجتمع له بأن الفكرة نابعة من شخص آخر، لا منه وبالتالي لن يكون الثناء كاملًا له وحده.
جميعنا مررنا أو تعاملنا مع هذا النموذج من الأشخاص، إلا من رحم ربي من القلّة الواعية، التي أدركت هذا التحدي مبكرًا، واقتنصت الفرصة في الاستثمار في الأصغر سنًا، ممن يملكون طاقات هائلة، فحصدت نتائج مذهلة وسريعة في تنفيذ مشاريع متطورة، بدلًا من العمل الفردي لسنوات طويلة.
وهذا تحديدًا ما قامت به مؤخرًا شركة ماكينزي، من خلال إدخال الذكاء الاصطناعي في برامجها وأنظمتها، بعد إعلانها أمام العالم حصولها على درع تكريمي من شركة OpenAI، تقديرًا لكونها من أكثر المؤسسات استخدامًا لتقنيات ChatGPT، إذ تجاوز حجم استخداماتها أكثر من 100 مليار رمز (Tokens) عبر واجهات برمجة التطبيقات الخاصة بالذكاء الاصطناعي. هذا الإعلان أثار جدلًا واسعًا عالميًا، ما بين فئة قليلة مؤيدة، وأخرى كبيرة معارضة. وتكمن أسباب الاعتراض والسخرية في تساؤلهم، لماذا ندفع آلاف أو ملايين الدولارات لشركة استشارات تستعين بأداة متاحة للجميع وبأبخس الأثمان؟,خصوصًا أن ماكينزي تُعد من أفضل الشركات العالمية في مجال الاستشارات الإدارية والاستراتيجية.
وهنا يأتي دوري، كمتخصصة في الذكاء الاصطناعي، لتفنيد هذه النظرية وتحليلها بعمق. ما قامت به ماكينزي لا يُعد استخدامًا تقليديًا لبرنامج ChatGPT بأسلوب السؤال والجواب، بل هو خطوة استباقية واستراتيجية تعكس فهمًا عميقًا لمتطلبات المستقبل القريب، وإدراكًا واعيًا بأن الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل الوظائف، بما فيها شركات الاستشارات نفسها. ما فعلته ماكينزي هو ربط أدوات الذكاء الاصطناعي ببياناتها الهائلة، وتعليمها على منهجية تفكيرها الاستشاري. فهي شركة تقدّم حلولًا إدارية واستراتيجية منذ ما يقارب مئة عام، واليوم تحوّل هذا الإرث المتراكم إلى نماذج مدعومة بالذكاء الاصطناعي. نماذج تحمل قرنًا كاملًا من القرارات، والاستراتيجيات، ونماذج الأعمال، والأخطاء، والنجاحات، أي خبرة بشرية متراكمة عمرها قرن تُستخدم اليوم لتقديم قرارات أسرع وأكثر دقة خلال ساعات بدلًا من سنوات، حفاظًا على موقعها في القمة. وبرأيي، ستتجه ماكينزي مستقبلًا إلى تقليص عدد كبير من الوظائف لديها، نتيجة هذا التبني العميق للذكاء الاصطناعي، لا كخيار بل كضرورة تنافسية.
إن هذا التكريم لا يدل فقط على كثافة استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يعكس حرص ماكينزي على رفع جودة استشاراتها مقارنةً بنظرائها من كبرى الشركات الاستشارية. إلا أن جرأة الإعلان عن هذا التكريم كانت بحد ذاتها خطوة محسوبة، خاصة في عالمٍ لا يزال يفتقر إلى الوعي الحقيقي بطبيعة هذا الذكاء وإمكاناته، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالقاعدة المتعارف عليها أن الشركات العريقة ذات الثقل التاريخي، تتحرك بخطى بطيئة وتفكر مليًا قبل أي تحوّل، خوفًا من اهتزاز قيمتها السوقية أو صورتها الذهنية، على عكس الشركات الناشئة الجريئة. وما فعلته ماكينزي كسر هذه القاعدة.
وختامًا، أرى أن هذا التكريم يبعث برسالة واضحة للأفراد والمؤسسات الأخرى في تبنّي الذكاء الاصطناعي بالشكل الصحيح، وفهمه واحترافه، قد يمكّن أي شخص أو جهة من الوصول إلى مستوى ماكينزي، أو حتى تجاوزه. ففي عصر الذكاء الاصطناعي لا شيء مستحيل. والسؤال الحقيقي ليس ماذا فعلت ماكينزي، بل ماذا سنفعل نحن عندما يُعاد تشكيل وظائفنا؟
م.أسماء محمد السعيدي
ماجستير هندسة بترول
السبق الصحفي وهوس التوثيق
في ظل ماتشهده دولتنا الكويت ودول الخليج والأردن من هجمات من العدوان الإيراني، وتوترات في منطقة الشرق الأوسط، وحالة لم يشهدها البعض منذ ثلاثة عقود، جيل جديد، وسائل إعلام جديدة، نتعامل اليوم مع حالة هوس تصيب الكثير هدفها إما التفرد والحصرية، وأخرى، ربما للإضرار المتعمد، بعد أن كان الإعلام أكثر دقة ووضوحا، ناهيكم عن طرق التزوير وتحوير الحقائق المستخدمة في وقتنا الحالي، لم يعد التحريف منوطاّ بصورة مخادعة تعكس الحقائق وتغير المضمون، بل أصبح بيد الجميع، صنع واقع مختلف كلياّ شبيه، بل مطابق للحقيقة لا يميّزه إلا من يمتلك مهارة التقصي والخبرة في مجال التكنولوجيا، لم تعد الكاميرا وسيلة بل سلاحا مستخدماّ دون وعي، على الرغم من التوصيات المتكررة بالعودة للمصادر الرسمية والتحذير، فهذه الصورة في لحظة حماسة لن تحصل عليها بجائزة، الا وسام الجحود ووصمة عار، تحديد أهداف بطبق من ذهب للعدو وإثارة هلع في نفوس أقربائك، إن قيادتنا وأبطالنا في الجيش كما عهدناهم يبذلون الغالي والنفيس من أجل أمانك فاحرص على أن لا تكون شريكاّ مع العدوان ضده، حتماّ ستشرق شمس الكويت وخليجنا، آمنة بوحدتنا وتكاتفنا والتزامنا بمسؤوليتنا الوطنية.
هاجر حسين العتيبي
كلية الآداب
مقصلة هيوم في عصر الذكاء الاصطناعي: من يقرر في التعليم؟
في عصرٍ تتسارع فيه الابتكارات التقنية بوتيرة غير مسبوقة، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات التي تعيد تشكيل طرائق اتخاذ القرار في مختلف مجالات الحياة، ولا سيما في مجال التعليم. غير أن هذا التطور التقني، على ما يحمله من إمكانات واسعة لتحسين العملية التعليمية وتيسير الوصول إلى المعرفة، يثير في الوقت نفسه تساؤلات فلسفية عميقة حول حدود دور الآلة في توجيه الفعل الإنساني وصناعة القرار التربوي. وهنا يعود إلى الواجهة مفهومٌ فلسفي مهم عُرف في الفكر الغربي باسم «مقصلة هيوم»، وهو المفهوم الذي صاغه الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم ليبيّن ضرورة التمييز بين ما هو كائن في الواقع وما ينبغي أن يكون من حيث القيم والمعايير الأخلاقية.
وفي ضوء هذا التمييز تتجلى إشكالية الذكاء الاصطناعي في التعليم بوضوح متزايد؛ فقد أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات التعليمية، وتتبع أداء الطلبة، وتقديم توصيات تتعلق بطرائق التعلم المناسبة لكل متعلم. ومن الناحية التقنية يمكن القول إن هذه الأنظمة تحقق مستويات عالية من الدقة في تحليل الأداء وتقديم التغذية الراجعة، بل وتسهم في مساعدة المعلم على فهم الفروق الفردية بين الطلبة بصورة أكثر تفصيلاً. غير أن هذه الحقيقة التقنية لا تقود بالضرورة إلى نتيجة تربوية مفادها أن الأنظمة الذكية ينبغي أن تحل محل المعلم في اتخاذ القرار التعليمي.
فكون النظام التقني قادرًا على تحليل البيانات التعليمية بكفاءة عالية لا يعني بالضرورة أن تسليم القرار التربوي إليه أمر صائب من الناحية الأخلاقية والتربوية؛ ذلك أن العملية التعليمية لا تقوم على نقل المعرفة أو تحليل الأداء فحسب، بل ترتبط أيضاً ببناء القيم وتنمية الشخصية الإنسانية وتعزيز العلاقات التربوية بين المعلم والمتعلم. وهذه الجوانب لا يمكن اختزالها في معادلات رقمية أو خوارزميات تحليلية مهما بلغت دقتها.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز الذي نبه إليه هيوم؛ فالعلم والتكنولوجيا يستطيعان أن يخبرانا بما يمكن فعله، وأن يفتحا أمام التعليم آفاقًا جديدة من الإمكانات، لكنهما لا يقرران وحدهما ما الذي ينبغي فعله داخل الفضاء التربوي. إن التقدم التقني يتيح أدوات تعليمية متطورة، لكنه في الوقت نفسه يضع المربين أمام مسؤوليات أخلاقية متزايدة في كيفية توظيف هذه الأدوات. ولذلك يظل الذكاء الاصطناعي، مهما تطور، وسيلة مساندة للعملية التعليمية، لا بديلاً عن الدور الإنساني للمعلم الذي يبقى محور التربية وصاحب القرار في توجيه التعلم بما يحقق بناء الإنسان قبل نقل المعرفة.
أ.عبدالله عيد العجمي
كلية التربية
يوجد يقين
إلى أيِّ مدى سيُخجِلني عطاؤك يا الله؟
كلما ابتعدتُ عنك وجدتُ قربَك سترةَ نجاة، وكلما اقتربتُ منك أكثر وجدتُ روحي مكتفيةً بك.
فارغةٌ أنا دونك يا رب، فاملأني حياة.
يناجيك ضعفي موقنًا بـ: «لبيك عبدي»، من ربٍّ مجيب.
وتناجيك مشاعري بجهالة ما يكتبه قلمها؛ لأنها تعلم أن لديها ربًّا عليمًا وإن لم تنطق…
فيا خالق هذا الفؤاد، ابعث فيه الطمأنينة،
فلا تستأصل منه حبًّا، بل كرهًا، ولا إيمانًا، بل كفرًا،
ولا تستنزف منه أيَّ عَضَلًا، واجعله مكتفيًا بك لا بغيرك يا الله…
عثرتُ في اليقين راحة بال وقلبٍ مُطمئن،
وجدتُه بين مشاكلي وصفحات أوراقي،
فأدركت أن يقيني بك خير،
وقربي منك أمرٌ لا ثاني ولا ثالث لهما.
لذا عندي يقين، عندي يقين، عندي يقين
بأن كل الأمور ستزين
من عند من يقول للأمر: كن فيكون.
ندى فهد الرشيدي
كلية التربية